ابن عطية الأندلسي
209
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
العيش ، و اجْعَلْ لفظه الأمر وهو في حق اللّه تعالى رغبة ودعاء ، و آمِناً معناه من الجبابرة والمسلطين والعدو المستأصل والمثلاث التي تحل بالبلاد . وكانت مكة وما يليها حين ذلك قفرا لا ماء فيه ولا نبات ، فبارك اللّه فيما حولها كالطائف وغيره ، ونبتت فيها أنواع الثمرات . وروي أن اللّه تعالى لما دعاه إبراهيم أمر جبريل صلوات اللّه عليه فاقتلع فلسطين ، وقيل قطعة من الأردن فطاف بها حول البيت سبعا وأنزلها بوجّ ، فسميت الطائف بسبب ذلك الطواف . واختلف في تحريم مكة متى كان ؟ فقالت فرقة : جعلها اللّه حراما يوم خلق السماوات والأرض ، وقالت فرقة : حرمها إبراهيم . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : والأول قاله النبي صلى اللّه عليه وسلم في خطبته ثاني يوم الفتح ، والثاني قاله أيضا النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ففي الصحيح عنه : « اللهم إن إبراهيم حرم مكة ، وإني حرمت المدينة ، ما بين لابتيها حرام » ، ولا تعارض بين الحديثين ، لأن الأول إخبار بسابق علم اللّه فيها وقضائه ، وكون الحرمة مدة آدم وأوقات عمارة القطر بإيمان ، والثاني إخبار بتجديد إبراهيم لحرمتها وإظهاره ذلك بعد الدثور ، وكل مقال من هذين الإخبارين حسن في مقامه ، عظم الحرمة ثاني يوم الفتح على المؤمنين بإسناد التحريم إلى اللّه تعالى ، وذكر إبراهيم عند تحريمه المدينة مثالا لنفسه ، ولا محالة أن تحريم المدينة هو أيضا من قبل اللّه تعالى ومن نافذ قضائه وسابق علمه ، و مِنَ بدل من قوله أَهْلَهُ ، وخص إبراهيم المؤمنين بدعائه . وقوله تعالى : وَمَنْ كَفَرَ الآية قال أبي بن كعب وابن إسحاق وغيرهما : هذا القول من اللّه عزّ وجل لإبراهيم ، وقرءوا « فأمتّعه » بضم الهمزة وفتح الميم وشد التاء ، « ثم اضطرّه » بقطع الألف وضم الراء ، وكذلك قرأ السبعة حاشا ابن عامر ، فإنه قرأ « فأمتعه » بضم الهمزة وسكون الميم وتخفيف التاء ، « ثُمَّ أَضْطَرُّهُ » بقطع الألف ، وقرأ يحيى بن وثاب « فأمتعه » كما قرأ ابن عامر « ثم اضطره » بكسر الهمزة على لغة قريش في قولهم لا إخال ، وقرأ أبي بن كعب « فنمتعه » « ثم نضطره » ، و مِنَ شرط والجواب في فَأُمَتِّعُهُ ، وموضع مِنَ رفع على الابتداء والخبر ، ويصح أن يكون موضعها نصبا على تقدير وأرزق من كفر ، فلا تكون شرطا . وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما : هذا القول هو من إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم ، وقرءوا « فأمتعه » بفتح الهمزة وسكون الميم « ثم اضطره » بوصل الألف وفتح الراء ، وقرئت بالكسر ، ويجوز فيها الضم ، وقرأ ابن محيصن « ثم اطّره » بإدغام الضاد في الطاء ، وقرأ يزيد بن أبي حبيب « ثم اضطره » بضم الطاء . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : فكأن إبراهيم عليه السلام دعا للمؤمنين وعلى الكافرين . و قَلِيلًا معناه مدة العمر ، لأن متاع الدنيا قليل ، وهو نعت إما لمصدر كأنه قال : متاعا قليلا ، وإما